السيد محمد حسين فضل الله

48

من وحي القرآن

ومن هنا اعتبرت قضية الولاية من القضايا المهمة المصيرية في مستقبل الإسلام وقوته ، مما يؤكد ويؤيّد اعتبارها إكمالا للدين الّذي يحتاج إلى الرعاية من الشخص الّذي عاش فكره وشعوره وجهاده للإسلام ، حتّى لم يعد هناك - في داخل ذاته - أيّ نوع من الفراغ الَّذي يحتضن اهتمامات غير إسلامية . وقد يمكن للإنسان أن يفكر بأنَّ النبي صلى اللّه عليه واله وسلّم لا يمكن له ترك قضية الولاية من بعده للاجتهادات المختلفة ، الّتي قد تختلف على أسس ذاتية أو تقليدية ، باعتبار أنَّها لا تخضع لبرنامج إسلامي تشريعيّ محدد . فالدين الَّذي قد تعرّض لكل شيء في أحكامه وتشريعاته حتّى أدق التفاصيل ، لا يتصور فيه أن يترك أمر الخلافة الكبير في أهميّته ونتائجه ، لا سيما لجهة استمرار خط الرسالة والنبوة ، حيث ، وكما هو معلوم تاريخيا ، لم يكن الوضع الإسلامي قد وصل إلى مستوى النضوج الكامل بفعل الأحداث الصعبة ، مما يجعل تركيز مسألة الخلافة والولاية وتأكيدها أمرا أساسيا في حركة التشريع . وعلى أيّ حال ، فإنَّنا نثير هذه الأفكار انطلاقا من وعينا لأهمية القيادة في حياة الأمة ، ليكون هذا الاتجاه في التفكير أساسا للبحث من أجل مواجهة الموقف بجديّة ومسئوليّة من ناحية المبدأ والمنطلق . ويبقى للأدلة والحجج والنصوص الشرعيّة الدور الأكبر الأساس في الحكم على ما حدث بعيدا عن كل اجتهاد ذاتي ، أو انتماء مذهبي ، لأنَّ القضيّة قضيّة إيمان وعلم ، فلا بدّ للمسلمين من الارتفاع في خلافاتهم إلى هذا المستوى الَّذي يقودهم إلى الحقيقة الدينيّة والتاريخيّة من أقرب طريق ، ويعلمهم كيف يمارسون هذا الخلاف بالأسلوب الإسلامي للحوار الَّذي يعتمد على الإخلاص للحقيقة من خلال الإخلاص للّه ، ومواجهة المواقف من موقع الفكر العميق المنفتح المتأمل ، واللّه من وراء القصد .